الله يهديك… وإذا الله ما هداك… الله يهِدّك

هل الله موجود؟ من أين أتى الكون؟ ماذا كان هناك قبل الإنفجار العظيم؟ وأين سنذهب بعد مماتنا؟ هل سنذهب إلى أي مكان أصلاً؟ هل يعرف الله ماذا سيقوم كل واحد منا من خير أو شر؟ لماذا سيحاسبنا أصلاً إذا كان هو من قبل قد رسم كل مسار الأحداث في حياة كل إنسان؟ وألا يتعارض هذا مع مسألة أن الإنسان مخيّر؟ كيف أستطاعت المسيحية أن تستمر لأكثر من 2000 سنة على الرغم أن كثيرون من أبناء ديانات أخرى يعتقدون أن الإنجيل محرف من مئات السنين… محرف وفي نقاط جوهرية؟ كيف أستطاع الإسلام أن ينمو ليصبح ثاني أكبر ديانة في العالم مع أني أقرأ وأسمع معظم المسيحيين واليهود لا يعترفون به كدين إلهي أصلاً؟ لماذا يدين أكثر من مليار شخص بالبوذية والهنوسية مع أنها أديان غير إلهية وغير توحيدية بحسب الديانات الإبراهيميّة؟ هل من المعقول أن المليارات الذين لا يؤمنون ولم يؤمنوا بدينك كلهم على خطأ؟…. وغيرها الكثير الكثير… أسئلة ممتعة! ولم أجد أي إجابات لحد الآن…

دخلت في نقاش مع كثير من أصدقائي حول هذه الأسئلة. كل واحد  حسب مجال الحرية التي يعطيها لنفسه بناء على تفسيره لدينه. لأنه في بعض المرات يقال لي بما معناه، أنه لا يجب أن نسأل هكذا أسئلة من باب أن معرفة الإنسان بهذه الإجابة سيضره. أما من يجاوبوا، فأجد بعضهم يستشهدون بنص ديني ليجاوبوا على هذا السؤال أو ذلك. أجاوب بسرعة: “دليلك نسبي… أنت تؤمن بكتابك الديني الصحيح بالنسبة لك، هل ستصدق شخص من ديانة أخرى يأتي بدليل من كتابه الديني؟ فذلك الكتاب محرف وذلك كتاب أنت لا تعترف به أصلا وتلك الكتب لديانات لا تعترفون بها أصلاً”.

ثم بشكل شبه دائم يحاول من أمامي تحويل النقاش إلى موضوع أي دين هو الأصح. أتوقع أن السبب هو أن الأغلب ليس عنده إجابات على هكذا أسئلة لأنها: أولاً، أسئلة صعبة. وثانياً، لم يفكروا بها لأنهم غير معتادين على التشكيك والبحث وراء كل معلومة يسمعونها، ليس فقط الدينية منها، وللأسف الشديد، حتى العلمية. أجد أن أغلب الأشخاص يركزون كل قواهم وبحثهم الديني (هذا إذا بحثوا في الأصل ولم يرثوا الدين الذين هم متأكدون  منه 100% وراثة، مثله مثل أسماء عائلاتهم أوجنسياتهم) على أمور مثل إثبات عدم نبوة ذلك النبي… وعدم صلب ذلك… وإرهاب أتباع ديانة معينة… وإباحية نصوص دينية في ذلك الدين… وعدم منطقية آيات أو تعارضها مع بعضها… وأيضاً، جمع أكبر قدر من الأدلة على صحة دينهم. سواء كانت هذه الأدلة تاريخية أو منطقية أو إعجازية!

بالنسبة لي، فأنا لا أدخل في نقاش “أي دين هو الأصح”. لأسباب كثيرة. أهمها هو أن الإسلام والمسيحية، على سبيل المثال، موجودان مع بعض منذ أكثر من 1400 سنة. ومع ذلك، لم يستطع أي طرف أن يثبت للطرف الآخر أنه مخطأ! الكل عنده أدله والكل متأكد!

أخيراً، لماذا الإفتراض أن هناك دين صحيح؟ ألا يمكن أن تكون كل الأديان خاطئة؟ فمثلاً، في الفيديو التالي، يقول أسقف أمريكي متقاعد (أو لربما مرمّج؟) مثير للجدل التالي:

"الله ليس مسيحي… الله ليس يهودي، أو مسلم، أو هندوسي، أو بوذي. كل هذه هي أنظمة بشرية إخترعها البشر محاولين مساعدتنا للسير في سر الله. أنا أكرم تقاليدي، وأسير حسب تقاليدي، ولكنني لا أعتقد أن تقاليدي تعرًف الله، أعتقد أنها فقط تشير إلى الله."  – الأسقف المتقاعد جون شلبي سبونج.

Source of photo: A flickr account of Scott Griesselvia this wikimedia page.

“الله ليس مسيحي… الله ليس يهودي، أو مسلم، أو هندوسي، أو بوذي. كل هذه هي أنظمة بشرية إخترعها البشر محاولين مساعدتنا للسير في سر الله. أنا أكرم تقاليدي، وأسير حسب تقاليدي، ولكنني لا أعتقد أن تقاليدي تعرًف الله، أعتقد أنها فقط تشير إلى الله.”

– الأسقف المتقاعد جون شلبي سبونج.

“God is not a Christian, God is not a Jew, or a Muslim, or a Hindu, or a Buddhist. All of those are human systems which human beings have created to try to help us walk into the mystery of God. I honor my tradition, I walk through my tradition, but I don’t think my tradition defines God, I think it only points me to God.”― Retired Bishop John Shelby Spong

“God is not a Christian, God is not a Jew, or a Muslim, or a Hindu, or a Buddhist. All of those are human systems which human beings have created to try to help us walk into the mystery of God. I honor my tradition, I walk through my tradition, but I don’t think my tradition defines God, I think it only points me to God.”― Retired Bishop John Shelby Spong (His personal website here) (wikipedia page in English here)

Retired Bishop John Shelby Spong الأسقف المتقاعد جون شلبي سبونج

نعود إلى موضوع الأسئلة الكبيرة بعيداً عن سؤال “أي دين هو الأصح”. دائماً، أنا وأصدقائي لا نصل إلى نتيجة. الموضوع معقد. أحد أصدقائي الغير مهتم على الإطلاق بهذه الأسئلة، قال أكثر من مرة كلما أردنا أن نبدأ هكذا نقاشات: “منشان الله لا تبلشوا بهاي القصص… كل مرة، بتقعدوا ساعات وبالنهاية ما بتصلوا لنتيجة وما حدا بقنع الثاني”.

صديقي محق. يننتهي النقاش دائماً بدون نتيجة. أمر طبيعي. فهل هناك أحد يمتلك الإجابة على هذه الأسئلة أصلاً؟ ولكن المثير للأهتمام أنه في أغلب المرات، ينهي الأشخاص الذين هم أمامي النقاش بجملة:

“الله يهديك”

لماذا يفترض من هو أمامي أنه على حق وأن الله، إذا أهداني، فإنه سيهديني إلى تفكيره؟ لماذا ليس العكس؟ أختصر النقاش بأن أرد بسرعة، وبإبتسامة أني أريد أن أستخدم سلاحه غير الفعال ضده:

“يا سيدي… الله يهدي الجميع”

تصل الفكرة. يسكت هو وأسكت أنا.

مؤخراً، لم ينتهى أحد النقاشات عند تلك النقطة. إذا أن الشخص الذي كان أمامي توفرت لديه جملة جديدة ليقولها لي. قالها لي بنشوة من وجد ذخيرة جديدة ليستخدمها ضد عدوه الذي لم ينتصر عليه:

“إذا الله ما هداك… الله يهدك!”

يا سلام على الحرية والديمقراطية وعلى الدعوة “المرتبة”. صمتت… بالطبع لم تعجبني الإجابة. فأنا دائماً أقول لمن هو أمامي، خاصة بعد أن يرتفع صوته، أنني هدف نقاشي ليس الوصول إلى من هو صحيح… بل إلى ما هو صحيح… وما هو صحيح هو صحيح ليس لأني أنا قلته… أو لأنك أنت قلته… بل لأنه هو صحيح!

ثم، فلماذا الترهيب والووعيد؟ أنا لم أغضب، بالعكس، فصديقي هو من كان دائماً يلفت إنتباهي إلى أن صوتي قد أصبح عالياً في أي نقاش. وكان دائماً يقول بما معناه: “الغضب في النقاش دليل ضعف الحجة!”. نعم! شئ جميل جداً. وهذا متوافق مع هذه المقولة العربية التي قرأتها لاحقاً في كتاب:
Old Arabic Sayings Similes and Metaphors: Min Aqwal Al-Arab Wa-Tashbihatihim Alb-Sadabiyah (يمكنك الضغط على الرابط هنا لقراءة الكتاب):

أوّل العَيّ الاحتلاط Anger is the first sign of helplessness

أوّل العَيّ الاحتلاط Anger is the first sign of helplessness

إذن، فجملة مملوءة بالغضب والتهديد كالجملة السابقة يجب أن تغضب صاحبها، لأنه وحسب المقولة العربية أعلاه، وحسب ما علمني إياه صديقي، فإنها قد تكون دليل على ضعف الحجة التي يدافع عنها.

ماذا كان بإمكاني أن أجاوب؟ لم أحتج أن أشرح تصوري عن معنى هكذا جملة غاضبة. فكرت… في ثواني قليلة… بدت كساعات… ماذا سيكون موقفي أمام الشخصين الآخرين الحاضرين والذين كنت أرى بداية تشكل نظرة شفقة على وجوههم؟ ولماذا تمت شخصنت النقاش؟ ألا نناقش أفكاراً؟ هل سأرد برد يغضب صديقي ولكن في نفس الوقت يرد كرامتي؟ قلت:

“لا… الله يهدي الجميع… وإذا الله ما هدى الجميع… فالله يهد الجميع”

كانت إجابة رائعة بالنسبة لي لأنها جلبت صمت مفاجئ على الحضور. ولكن عدت وفكرت حينها، وافكر حالياً:

أليس من الأجمل أن يحاول الإنسان أن يرفع مستوى نقاش في حال أخطأ الشخص الذي أمامه في كلمة أو جملة أو حتى جمل؟ ومن ثم لماذا إفتراض سوء النية في الطرف الآخر؟ وبخصوص هذه الجملة أعلاه، أليس موضوع الإيمان من عدمه موضوع إختياري؟ ألأ يستطيع الله أن يظهر نفسه ليجعلنا نؤمن به كلنا؟ ألا يستطيع الله أن ينهي كل الديانات الخاطئة ويبقي ديانة وحيدة صحيحة حتى يعبده البشر بأفضل طريقة؟

استطردت بسرعة وقلت:

“جملتي هاي مش حلوة… أنا ما بحكيها. بس ممكن شخص ثاني إذا سمع جملتك يحكيلك نفس الجملة. بتعجبك هيك جملة؟”

أتمنى أن تكون الفكرة يومها قد وصلت… وأن الموضوع ليس موضوع تحدي ومن هو الصحيح…

إنتهى النقاش… وبالطبع… دون نتيجة!

4 responses to this post.

  1. Posted by Scott on 01/25/2014 at 02:30

    Hi Moabite…happy to have you use my photo of Bishop Spong on your site. I don’t read Arabic, but what I see in English is appreciated. Regards, Scott

    Reply

    • Hello Scott,

      My thanks to you is a lot bigger. Thanks a lot for the creative common share 🙂

      Thanks for visiting my Blog.

      Reply

  2. Posted by mjalle on 01/26/2014 at 18:40

    ليس الهدف الاسمى لاي نقاش ان نصل الى اتفاق وتوافق بل ان النقاش بحد ذاته هو تدريب ملكاتنا الفكريه وتجديد ارواحنا لنفهم ان للحقيقة اكثر من وجه وان لا احد يمتلك الحقيقه كامله وليس لاحد ان ان يقمع المقابل ويفرض عليه معتقداته لقد ولدنا احرار ولنا الحرية ان نفعل ما نشاء ما دمنا مسوولوين عن قراراتنا وافعالنا

    Reply

    • “ليس الهدف الاسمى لاي نقاش ان نصل الى اتفاق وتوافق ”

      صياغة جميلة جدا 🙂 سأتخدمها في المستقبل…

      شكراً على التعليق الرائع 🙂

      Reply

Do you have anything to say? عندك إشي تحكيه؟ (Unless you are posting spam or using aggressive language, I will publish your comment whether I like it or not)

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s